شــام بـــرو
انشالله يعجبكم الموقع


لكل السوريين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تطور محافظة اللاذقية على مر العصور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


ذكر
عدد المساهمات : 490
02/01/1996
تاريخ التسجيل : 02/11/2011
العمر : 20
الموقع : http://shampro.123.st
العمل/الترفيه طالب علم

مُساهمةموضوع: تطور محافظة اللاذقية على مر العصور    الخميس نوفمبر 10, 2011 11:05 pm


إن أقدم اسم حملته اللاذقية هو راميتا. هذا ما يفيدنا به جغرافي بيزنطي من القرن الخامس نقلاً عن كتاب وضع قبله بحوالي أربعة قرون يصرّح صاحبه أنّه ليس سوى الترجمة اليونانيّة لتاريخ كان قد كتبه كاهن كنعاني عاش في بيروت حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد. لذلك ليس من المستبعد أن يكون هذا الاسم تحريفاً وقع به المترجم اليوناني لكلمة ياريموتا التي ترد في نصوص من القرن الرابع عشر قبل الميلاد اكتشفت في موقع تل العمارنة في وادي النيل والتي تشير إلى مكان مأهول يقع على الساحل السوري شمالي أرواد.

كانت راميتا عبارة عن قرية صغيرة مبنيّة على تلّ صخريّ تبلغ مساحة سطحه حوالي هكتار ونصف، كان ينتصب جنوب الحوض القديم للمرفأ قبل أن تزيله الأعمال التنظيميّة التي تمّت في المكان خلال السنتين 1963 و1964. وقد عثر في هذا التل على كسر فخّارية تعود إلى عصر البرونز الحديث أي إلى المرحلة التي تتراوح بين 1600 و1200ق.م. وكانت القرية تابعة للمملكة الأوغاريتيّة يسكنها صيّادون وبحّارة ينتسبون إلى الشعب الكنعاني الموزّع آنذاك على طول الساحل.

أبجدية أوغاريت
أول أبجدية عرفتها البشرية


في العصر الحديدي، أي من القرن الثاني عشر حتى مطلع القرن الرابع قبل الميلاد، كانت القرية لا تزال تحتل التلّ الصخريّ المذكور كما يتبيّن من الكسر الفخارية المكتشفة، وتفيد المصادر أنها حملت بعد راميتا اسم مزبدا الذي له غالباً علاقة بزبد البحر، مع العلم أنها كانت تحمل أيضاً اسم لوكيه اكته ومعناه باللغة اليونانية «الشاطئ الأبيض»، وهو على ما يبدو الاسم الذي كان يطلقه عليها البحّارة الأجانب. وتشهد اللقى الفخّارية على اتصال كان قائماً بينها وبين قبرص والعالم الإيجي في عصر البرونز الحديث وفي العصر الحديدي.

الإسكندر المقدوني



اللاذقية في العصر الهيلنستي (300-64ق.م)


دخل الاسكندر الأكبر سورية عام 333ق.م. وبعد وفاته تنازع قوّاد جيوشه على إمبراطوريته الواسعة الأطراف وتقاسموها فيما بينهم، فكانت سورية من نصيب سلوقوس نيكاتور. وعندما أصبح هذا القائد ملكاً عليها أخذ يشيد فيها مدناً جديدة. ففي حوالي سنة 300 قبل الميلاد بنى على الرأس الذي كانت راميتا تحتل مرتفعاً على طرفه الغربي، مدينة أسماها لاوذكيّة تيمناً باسم والدته. وقسّم مملكته إلى عدة مقاطعات جاعلاً من إنطاكية عاصمتها.
دام العصر الهيلنستي في سورية ما يقارب القرنين والنصف، وكانت لاوذكيّة تشغل كامل الرأس الممتد في البحر الذي تبلغ مساحته حوالي أربعماية هكتار، والذي يشكل مصطبة صالحة للبناء تحدّها هضبتان من الجهة الشرقية. وقد وَضَعَ للمدينة آنذاك المخطط السائد في بلاد الأغريق والذي يشبه رقعة الشطرنج أي أن الشوارع تكون فيه متوازية ومتقاطعة بزوايا ومتقاطعة بزوايا قائمة. ويظهر أنها كانت منذ البدء إحدى المدن السلوقية الهامة والمزدهرة، ونراها في القرن الثاني قبل الميلاد تصدر نقوداً باسمها، وفي هذه النقود كما في الأوزان المعدنية التي كانت تصنعها نجدها تلقّب باسم لاوذكيّة التي على البحر وذلك لتتميّز من ثماني مدن أخرى كانت تحمل اسم لاوذكيّة معظمها غير ساحلي.

سلوقس الأول نيكاتور
مؤسس الدولة السلوقية


تفيد كتابة مؤرخة في سنة 174ق.م. أنه كان في المدينة، إلى جانب ممثّل الملك وكبار الموظفين، مجلس له صلاحيات واسعة، وفي الفترة نفسها عاش فيه فيلسوف يدعى فيلونيدس كان له تأثير كبير على البلاط السلوقي، حتى أنه أصبح في وقت ما ممثّل السلطة الملكية في لاوذكيّة. وتشهد نقود دام استعمالها من سنة 149 حتى سنة 128ق.م. على أن لاوذكيّة ألّفت مع إنطاكيا وسلوقيا وأفاميا نوعاً من الاتّحاد، لذا أطلق عليها لقب «الشقيقات الأربع» وصارت تصدر عملة موحّدة.
في أواخر العصر الهيلنستي عمّت الفوضى سورية وأصبحت سلطة السلالة السلوقية شكليّة، فاغتنم هذه الفرصة ملك الأرمن دكران واستولى على قسم كبير من البلاد وحكمها طوال أربعة عشر عاماً، ويبدو أنه هو الذي جعل من لاوذكيّة المرفأ الرئيس لسورية الشماليّة.

قوس النصر في اللاذقية



اللاذقية في العصر الروماني (64ق.م-365م)


في عام 64 قبل الميلاد أصبحت سورية إحدى ولايات الإمبراطورية الرومانية، وبقيت على هذه الحال أكثر من أربعة قرون. وقد قسّمت إلى مقاطعات إدارية تابعة إلى والٍ يحمل اسم نائب قنصل، مقرّه في إنطاكيا عاصمة الولاية.
إن التنازع على السلطة في روما وما كان يتبعه من اضطرابات كان ينعكس على المدن السورية ومنها لاوذكيّة التي نراها تارة تستفيد وتارة تتضرّر من هذه الخصومات ولا سيما عندما كانت تتّخذ منها موقفاً معيّنا. ففي سنة 47ق.م. منحها يوليوس قيصر بعض الامتيازات لوقوفها بجانبه ضد أخصامه.
وفي نهاية سنة 44ق.م. نشب نزاع شديد بين كاسيوس أحد الذين اشتركوا بمقتل يوليوس قيصر وبين دولابيلا صهر شيشرون الخطيب الروماني الشهير. فبينما خضعت سورية بمعظمها إلى كاسيوس انحاز أهالي لاوذكيّة إلى دولابيلا الذي لجأ إليها بعد أن استولى خصمه على بقية البلاد. حاصر كاسيوس عندئذ المدينة برّاً وبحراً، ودام الحصار حتى صيف 43ق.م. عرف السكان خلاله المجاعة. وعلى أثر خيانة بعض معاونيه انتحر دولابيلا واستسلمت المدينة، فدخلتها جيوش كاسيوس ونهبتها انتقاماً من أهلها ودمّرت أحياء بكاملها.
بعد ذلك عهدت «الحكومة الثلاثيّة» في روما إلى ماركو انطونيو بشؤون الشرق الأوسط ومطاردة كل الذين اشتركوا في مقتل يوليوس قيصر وهكذا أخذ يحارب كاسيوس وتمكّن في سنة 40ق.م. من الاستيلاء على لاوذكيّة، وتقديراً لموقفها أعلنها مدينة حرّة وأعفاها من الضرائب. وفي ربيع 34ق.م. أقام فيها فترة من الزمن للاستجمام. وخلال هذه المرحلة تمّ جرّ مياه نبع العيدو إلى روذكيّة بقناة مبنيّة من الحجر لا تزال بعض بقاياها ظاهرة.

إمبراطور روما أكتافيوس


في عام 20ق.م. زار لاوذكيّة الإمبراطور الروماني أوكتافيوس، ويبدو أنه اهتمّ بتحسينها وتجميلها، وتفيد المصادر أنه أمر ببناء مدرّج على السفح الغربي لإحدى الهضبتين اللتين تطلان على المدينة (هضبة الطابيات حالياً). وكانت لاوذكيّة في مطلع القرن الأول الميلادي مزدهرة وأبنيتها جميلة ومرفأها نشيطاً وقد اشتهرت بنبيذها الفاخر الذي كانت تصدّر منه إلى الخارج وخاصة إلى الإسكندرية.
لا تشير المصادر إلى حوادث تذكر بالنسبة للاوذكيّة خلال القرن الأول ومعظم القرن الثاني الميلادي، كل ما نعرفه أنها كانت تصدر بدون انقطاع نقوداً مصنوعة من الفضّة أو من البرونز تحمل اسمها واسم أحد الأباطرة الذين تعاقبوا على عرش روما. وهذا ما يدل على أهميتها طوال هذه المدة وعلى نشاطها من الناحية الاقتصادية. ولاشك أن مرفأها هو الذي كان يدفعها نحو النمو والازدهار. نهاية القرن الأول رسماً للمنارة التي كانت تنتصب عند مدخل مرفئها وهي تعلو برجاً كبيراً.

إمبراطور روما سبتيموس سفيروس


في عام 194 نشب نزاع شديد عل عرش روما بين قائد اسمه بسينيوس نيجر وقائد اسمه سبتموس سفيروس، وقد انحازت لاوذكيّة لهذا الأخير، إلا أن منافسه احتلّها وخرّبها، وبعد أن انتصر سفيروس عليه أراد أن يكافئ المدينة على موقفها فمنحها شرف المتروبولس (أي المدينة الرئيسية) والامتيازات التي للمدن الرومانيّة، ومنحها أيضاً «هبة سنوية» من الحنطة، كما أعاد بناءها وأمر بتجميلها. فوسّعت شوارعها وصار لها شارعان رئيسان أحدهما يجتازها من الشمال إلى الجنوب (شارع القوتلي حالياً) والآخر من الشرق إلى الغرب (شارع الغافقي حالياً)، وازدانت الشوارع الهامة بصفوف من الأعمدة الصوّانية على طرفيها. ومن الأرجح أن القوس الكبيرة الذي يزيّن نهاية أحد الشوارع والذي لا يزال قائماً يعود إلى هذه الفترة، كما أن سفيروس شيّد في لاوذكيّة بعض المباني العامة منها حمّامات وميدان لسباق الخيل وبهو للألعاب الرياضيّة واهتمّ بالطرقات التي تربطها بما حولها.
إن بعض الاكتشافات الأثريّة التي تمّت في أيامنا تبيّن أن لاوذكيّة كانت طوال العصر الروماني تحتل كامل مساحة الرأس وأن مقبرة كبيرة جداً كانت تمتد شمالي المدينة.
ظهرت المسيحيةّ في لاوذكيّة منذ القرن الأول، وقيل أن أول أساقفتها هو لوقيوس أحد رفاق بولس الرسول، غير أن انتشار الدين الجديد كان محدوداً بسبب الاضطهادات، لذلك لا نعرف أخبار كنيسة لاوذكيّة إلا اعتباراً من منتصف القرن الثالث، فقد تعاقب عليها خلال النصف الثاني من هذا القرن وخلال القرن الرابع عدد من الأساقفة وتعطينا المصادر القديمة بعض المعلومات عنهم. ولا شك في أن أشهرهم هو أبوليناروس الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع. فقد كان متضلّعاً بعلم اللاهوت والفلسفة، غير أن بعض نظرياته اعتبرت مخالفة للتعاليم التقليدية للكنيسة، وقد وضع عدّة مؤلفات لم يبق منها إلا القليل.

اللاذقية في العصر البيزنطي (395-637)


بدأ العصر البيزنطي عام 395 عندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلا شطرين وأصبحت بيزنطة (استنبول حاليّا) عاصمة الشطر الشرقي منها. أمّا لاوذكيّة فكانت، حسب التقسيمات الإداريّة التي أجريت، ضمن مقاطعة أطلق عليها اسم «سورية الأولى» عاصمتها أنطاكيا.
كانت سورية في ظلّ الدولة البيزنطية بلاداً مسيحيّة بوجه عام تسيطر عليه الصفة الدينيّة، غير أنها امتازت في هذا العهد بالخلافات العقائدية التي نتجت عن ظهور بدع جديدة والتي أدّت إلى انشقاقات واضطرابات مختلفة. وهكذا نرى بين الأساقفة الذين تعاقبوا على لاوذكية من كان يتبع السلطة الكنسيّة الشرعية ومن كان يميل إلى إحدى الهرطقات الرائجة آنذاك.
في 2 كانون الثاني 529 وقع في لاوذكية زلزال عنيف دمّر قسماً كبيراً منها وسبّب مقتل سبعة آلاف وخمسمائة نسمة. ولمساعدتها أمر الإمبراطور يوستنيان بإعادة بناء الأحياء المتضرّرة وأعفى المدينة من الضرائب لمدة ثلاث سنوات، كما أحدث مقاطعة جديدة جعل من لاوذكيّة عاصمتها وألحق بها الساحل حتى بانياس، وأطلق على هذه المقاطعة اسم «ولاية تيودوريادس» تيّمناً باسم الإمبراطورة تيدورا.
ويرجح أنّه في القرن السادس بني في الطرف الشمالي من لاوذكيّة دير الفاروس الذي عرف فيما بعد شهرة واسعة.
لا ندري بالضبط في أي عهد تقلّصت مساحة المدينة التي كانت، كما رأينا، تحتلّ في العصرين الهيلنستي والروماني كامل الرأس، بينما يستدل من الأوابد التي تظهر من حين إلى آخر في أيامنا أن القسم الجنوبي من الرأس لم يكن مأهولاً في القرون الوسطى.

اللاذقية من الفتح العربي حتى الحروب الصليبية (637-1097)


إن انتصار العرب في معركة اليرموك، بتاريخ 20 آب 636، فتح لهم أبواب سورية. أما لاوذكيّة فقد تمّ فتحها سنة 637 على يد عبادة بن الصامت الأنصاري بتكليف من أبي عبيدة بن الجرّاح. عندئذ أخذ اسم المدينة قالبه العربي متحوّلاً من لاوذكيّة إلى لاذقيّة. ثم أصبحت تلقّب بلاذقيّة العرب لتتميّز عن المدن الأخرى التي تحمل الاسم نفسه والتي كانت لا تزال في مناطق يحكمها البيزنطيون.
بموجب مقرّرات مؤتمر الجابية المنعقد سنة 638 قسّمت سورية إلى أجناد أي إلى مناطق عسكرية، فصارت اللاذقية تابعة إلى جند حمص الذي كان يشمل أيضاً حماة وتدمر وجبلة وبانياس وطرطوس.
في عام 718 أغار البيزنطيون على اللاذقية من البحر وألحقوا بها الدمار، فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بإعادة بناء ما تهدّم وبتحصين المدينة. وتتابعت هذه الأعمال في عهد خلفه يزيد بن عبد الملك. وفي سنة 859/60 تعرّضت اللاذقية إلى هزّة أرضيّة عنيفة هدمت معظم أبنيتها وأودت بعدد كبير من الضحايا، فأمر الخليفة المتوكل بدفع تعويضات إلى المتضررّين.
في سنة 863/64 تولى على اللاذقية يوسف بن إبراهيم التنوخي، وفي سنة 933 لما جاء المتنبي إلى اللاذقية كانت لا تزال في أمرة أسرة التنوخيين كما يتبيّن من القصائد التي نظمها في أثناء إقامته فيها والتي تذكر ثلاثة منهم. ومن جهة أخرى نسمع أن العرب الذين كانوا يقطنون اللاذقية في هذه الفترة هم من أصل يمني وينتسبون إلى قبائل حمدان وزبيد وسليح ويحصب.
بدأ حكم الحمدانيين في حلب سنة 944 وشملت سلطة سيف الدولة سورية الشماليّة بما فيها اللاذقية التي أصبحت تابعة لحلب. وفي عام 968 هاجم الإمبراطور البيزنطي الدولة الحمدانيّة، وعند احتلاله الساحل استولى على اللاذقية التي أضحت من جديد تحت السلطة البيزنطيّة.
لا نعرف بالضبط في أي تاريخ زار أبو العلاء المعري اللاذقية وأقام فيها فترة من الزمن، رغم أن أكثر من مؤرّخ أتى على ذكر هذه الزيارة. كل ما نعلم أنّها جرت ما بين عام 988 وعام 1008، وقد حلّ وقتئذ ضيفاً على رهبان دير الفاروس، ويبدو أنّه اطّلع فيه على الفلسفة اليونانيّة.
وقبيل الحروب الصليبية تبعت اللاذقية لفترة قصيرة أمراء بني منقذ أسياد قلعة شيزر الذين سلّموها بدورهم إلى السلطان السلجوقي مالك شاه عام 1086، وبقيت في أيدي السلاجقة حتى قدوم الفرنج.

اللاذقية والحروب الصليبيّة (1097-1287)


حاول الفرنج، اعتباراً من شهر آب سنة 1097، الاستيلاء على اللاذقية أكثر من مرّة، فكانوا تارة يهاجمونها وتارة يحاصرونها وأحياناً يحتلّونا بصور موقّتة أو يستعملون مرفأها. فخلال هذه المرحلة المضطربة من تاريخ الساحل السوري كانت اللاذقية مسرحاً تنازع الصليبيّين فيما بينهم وللمنافسة بين الصليبيين والبيزنطيين الذين تمكّنوا هم أيضاً من بسط سلطتهم عليها.

قلعة المرقب


لم يتمركز الصليبيون في اللاذقية إلا في سنة 1108 عندما استولى عليها أمير انطاكيا تانكريد، فضمّه إلى أمارته التي كانت تمتدّ من خليج الاسكندرون حتى قلعة المرقب. وقد أطلق الفرنج على اللاذقية اسم لاليش.
ليس لدينا معلومات دقيقة عن دور الفرنج في إنشاء التحصينات التي كانت تحمي المدينة في القرون الوسطى. فهناك قلعتان تعلوان إحدى الهضبتين اللتين سبق ذكرهما (والهضبة تعرف في أيامنا باسم «القلعة»)، وبرج كبير ينتصب عند مدخل المرفأ، ولكن لا ندري ما إذا كانت هذه التحصينات من صنعهم أو من صنع البيزنطيين بعد احتلالهم المكان سنة 968، ويمكن أن يكون الفرنج قاموا فقط بتحسين أو ترميم ما كان موجوداً قبلهم. أما بالنسبة للمرفأ فتذكر المصادر أن سلسلة هائلة من الحديد كانت تصل بين البرج الكبير وبين برج آخر في الجهة المقابلة من المدخل فلا تسمح للسفن والمراكب بالدخول أو الخروج إلا إذا أنزلت. وحتى القرن الماضي كانت لا تزال تظهر في القسم السفلي من البرج الحلقة التي كانت تربط بها السلسلة المذكورة.
في عام 1136 أغار بصورة مفاجئة على اللاذقية جيش أمير حلب أتابك زنكي بقيادة الأمير سيف الدين أسوار وكان يتألف من ثلاثة آلاف جندي. فباغتوا الفرنج وأسروا منهم سبعة آلاف شخص وغنموا عدداً كبيراً من الدواب وعادوا بهم إلى حلب. وفي كل من عام 1157 وعام 1170 حدث زلزال كبير جداً في سورية الشمالية ألحق أضرار جسيمة في اللاذقية وغيرها من المدن.

قلعة صلاح الدين


دخل السلطان صلاح الدين الأيوبي سورية سنة 1188 ليحرّرها من الصليبيين. لقد وصل أمام اللاذقية في 20 تموز عند الغروب فأحكم الحصار عليها، وفي اليوم التالي بدأ هجومه على القلعتين إلى أن استسلمت الحامية الموجودة فيهما مساء 22 تموز، وبعد ذلك توجّه السلطان نحو المدينة فاستكمل احتلالها في 23 تموز 1188، وقد سبّبت المعارك التي دارت آنذاك بعض الأضرار بالمباني. وفي اليوم التالي تابع مسيره قاصداً قلعة صهيون، وسلّم اللاذقية إلى ابن أخيه المالك مظفر تقي الدين الذي أعاد بناء ما هدم منها وحصّن قلعتيها.
بعد وفاة صلاح الدين تنازع أولاده على البلاد التي كانت تحت سلطته، وبموجب الصلح الذي تمّ بينهم في تمّوز 1197 أصبحت اللاذقية تابعة إلى ابنه الثالث المالك الظاهر الذي كان يحكم حلب. وقد تمّ بأمره بناء مئذنة الجامع الكبير في اللاذقية كما يتبيّن من كتابة مؤرّخة في عام 1211 ولا تزال موجودة على جدار واجهته عند المدخل.
لا ندري بالضبط متى استعاد الصليبيون اللاذقية، ففي عام 1223 كانت حسب المصادر لا تزال بيد المسلمين، بينما نراها في عام 1260 تحت حكم الفرنج.
تعتبر عادة معركة عين جالوت، التي دارت في 30 أيلول 1260 وانتصر فيها المماليك على المغول، بداية العصر المملوكي في سورية، غير أن الصليبيّين ظلّوا متمركزين بعدها في قسم كبير من الساحل ولاسيما في اللاذقية. فأخذ المماليك، على يد السلطان بيبرس ثم في عهد السلطان قلاوون، يطردونهم من موقع تلو الآخر.
في 22 آذار 1287 حدث زلزال عنيف في اللاذقية الحق أضراراً في بعض أحيائها وفي تحصينات المرفأ ولاسيما في البرج الكبير، فاغتنم السلطان قلاوون هذه الفرصة ليهاجم اللاذقية، وقاد الحملة الأمير حسام الدين طرنطاي الذي استولى على المدينة بعد أن حاصرها، وقد استسلم له الفرنج بتاريخ 20 نيسان 1287.

اللاذقية في عصر المماليك (1287-1516)


قسّمت سورية في عصر المماليك إلى مقاطعات إدارية تدعى نيابات، فألحقت اللاذقية بنيابة طرابلس التي أحدثت عام 1289. أما وضع المدينة في النصف الأول من القرن الرابع عشر فنعرفه ممّا كتبه عنها الرحّالة والجغرافيون العرب الذين زاروها أو سمعوا أخبارها آنذاك. ويستنتج من مؤلفاتهم أن مرفأها كان جيداً وأنه بقي يحتفظ بالسلسلة المربوطة عند مدخله وأن الأشجار فيها كانت قليلة لعدم وجود ماء جار وأن أهلها يستقون الماء من الصهاريج. وتتحدث هذه المؤلفات بإعجاب عن دير الفاروس حتى قال ابن بطوطة أنه «أعظم دير بالشام ومصر».كان الفرنج في هذه الفترة لا يزالون في جزيرة قبرص حيث أسّسوا مملكة صليبيّة، وفي عام 1636 نظّموا هجوماً على الساحل السوري، فقاموا بإنزال على اللاذقية وأحرقوها. وعندما زارها سنة 1477 السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي رأى أن بعض أبنيتها ولاسيما الدكاكين لا تزال متهدمة، كما شاهد فيها حمّامات ومطحنة هوائيّة، وكان المرفأ يتّسع آنذاك داخل السلسلة إلى سبع سفن.
في 24 آب 1516 دارت معركة مرج دابق التي تغلّب فيها السلطان سليم الأول على المماليك، فأصبحت سورية جزءاً من الدولة العثمانية.

اللاذقية في العصر العثماني (1516-1918)


في القرن السادس عشر قسّمت سورية إلى ثلاث ولايات هي دمشق وحلب وطرابلس، تتألف كلّ منها من عدّة سناجق، فأصبحت اللاذقية سنجقاً تابعاً لولاية طرابلس.
يبدو أن الحوادث التي مرّت على المدينة في العهود السابقة من زلزال ومعارك وغزوات قد أساءت إليها فالمراجع، دون أن توضّح الأسباب بدقّة، تقول أن اللاذقية كانت في مطلع العصر العثماني في حالة خراب، وأن عدد سكّانها قد نقص جداً. ثمّ أخذت تستعيد تدريجيّاً نمّوها وأهميتها. وبنى قصراً لا تزال واجهته الجميلة قائمة (في زقاق في الطرف الجنوبي من شارع الغافقي حالياً) ولا ندري ما إذا كان قصراً أو داراً للحكومة أو خاناً. وفي عام 1693 قام حاكم اللاذقية وهو من أسرة المطرجي بإصلاح أبنية المدينة وإعادة شيء من رونقها وازدهارها. ويستدل من مؤلفات الرحّالة الأجانب الذين زاروا اللاذقية أنها عرفت في أواخر القرن السابع عشر تطوراً اقتصادياً ملموساً بسبب تصديرها التبغ إلى الخارج وبنوع خاص إلى دمياط في مصر.

نبات التبغ في اللاذقية


إن التبغ المدخون المعروف باسم «الدخان أبو ريحة» الذي اشتهرت به اللاذقية زمناً طويلاً قد ظهر إلى الوجود عام 1744. في تلك السنة قام أهالي الجبل بعصيان ضد الحكومة في اللاذقية، لذلك لم يتمكّنوا من بيع محصولهم من التبغ إلى تجّار المدينة فعلّقوه في سقف بيوتهم. ولمّا جاء الشتاء وأخذوا يوقدون النار للتدفئة التصق دخانها بالتبغ المعلّق فاسودّ لونه. وفي السنة التالية أصلحوا أمورهم مع الحكومة وباعوا التبغ الأسود إلى تجّار اللاذقية الذين أرسلوه كعادتهم إلى دمياط، وهناك أحبّ الناس الرائحة التي اكتسبها التبغ من الدخان فطلبوا من تجّار اللاذقية أن يصدّروا لهم دائماً هذا الصنف، ومنذ ذلك اليوم راجت سوقه في الخارج وذاع صيته في كل مكان، وهو يعرف حالياً في أوروبا وأميركا باسم «تبغ اللاذقية».
في أواخر القرن الثامن عشر ألف تجّار اللاذقية شركة أسموها «شركة تجّار التبغ» وكان مقرّها ومركز تخزين بضائعها في بناء كبير قريب من البحر عرف باسم «خان الدخّان» (وهو حاليّاً مقرّ المتحف) ويقول أحد الرحّالة الفرنسيين، وكان قد زار اللاذقية عام 1784، أن المدينة تقوم بتجارة واسعة يتألّف معظمها من التبغ، كما أنه يذكر أن عدد سكانها يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف نسمة.
في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم 29 نيسان 1796 حدث زلزال هائل جداً في اللاذقية هدم معظم أبنيتها وقد تضرّر بنوع خاص القسم الذي يمتدّ من منتصف المدينة حتى البحر، كما أن عدد الضحايا كان كبيراً للغاية. ونرى في مؤلف رحّالة انكليزي زارها عام 1813 أن عدد سكانها يتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف وربما نقص بدلاً من أن يزيد بسبب زلزال 1796. ويتحدّث هذا الرحّالة عن تجارتها بالتبغ المدخون كما يذكر أن السكّان يؤمّنون الماء إمّا من الآبار أو من القرى المجاورة وخاصة من بسنادا. وفي 1822 تعرّضت اللاذقية من جديد إلى هزّة أرضيّة ألحقت هي أيضاً أضراراً في الأبنية. وقد هدم هذا الزلزال قسماً من برج المرفأ فتراكمت أنقاضه عند المدخل، وأصبح ضيقاً وعسيراً على دخول السفن وخروجها.
في مطلع القرن التاسع عشر عاش في اللاذقية الشيخ محمد المغربي. لقد ولد في سوس (تونس) سنة 1773 ونشأ فيها، ثم جاء إلى سورية وبعد أن أقام فترة من الزمن في حلب وإدلب استقرّ في اللاذقية حيث لقي ترحابا كبيراً، فاجتذب القلوب ببلاغة الخطب التي كان يلقيها كل نهار جمعة في الجوامع. كان رجلاً صالحاً يرشد الناس بنصائحه الحكيمة، ويدعو دائماً إلى الإخاء والمحبة، وقد توفي بمرض الطاعون الذي انتشر في اللاذقية عام 1828، ودفن فيها وأقيم فوق قبره الجامع الذي يحمل اليوم اسمه.
إثر حملة إبراهيم باشا على سورية بقيت اللاذقية تحت حكم المصريين من سنة 1832 حتى سنة 1840. ويمكننا أن نطّلع على وضع المدينة في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر ممّا يرويه رحّالة فرنسي مكث فيها سنة 1831 وزائر أميركي مرّ بها أكثر من مرّة بين عام 1841 و1845. كانت المدينة في هذه الفترة بعيدة عن البحر تفصلها عنه مساحة واسعة من كروم الزيتون والبساتين، وهذا يدل على أن القسم الغربي الذي هدمه زلزال 1796 بقي غير مأهول وأن المدينة أصبحت تحتلّ فقط القسم الشرقي من الرأس أي البقعة التي تمتدّ مباشرة غربي الهضبتين. أمّا حي المرفأ فكان مستقلاً وبعيداً عنها، وكان عبارة عن مركز تجاري ليس فيه منازل للسكن إنما يتألف من مستودعات ودكاكين، وكانت البضاعة المصدرة هي التبغ والقطن. وكان عدد سكان المدينة يبلغ آنذاك ستة آلاف نسمة، وفيه أحد عشر جامعاً (منها جامع في حي المرفأ) وخمس كنائس، كما كان فيها قنصليات لفرنسا وانكلترا وروسيا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك.
على أثر تعديل تمّ سنة 1843 في النظام الإداري تحوّلت الحكومة في اللاذقية إلى قائمقام على رأسها قائمقام وبقيت تابعة لطرابلس. وفي سنة 1848 انتشر وباء الكوليرا في المدينة لمدّة ثلاثة أشهر. ومن مصدر يعود إلى سنة 1861 يتبيّن أن المرفأ كان مرتبطاً بخطوط بحرية شبه دورية مع عدد من موانئ شرقي البحر المتوسّط (الساحل السوري الفلسطيني، الإسكندرية، رودوس، ازمير، مرسين، قبرص) وفي سنة 1863 تمّ ربط اللاذقية بسلك التلغراف مع الأستانة وبغداد عن طريق حلب.
وضع ترتيب جديد للنظام الإداري في نيسان 1865 قسّمت بموجبه المقاطعة التي تشكّل قائمقامية اللاذقية إلى أربعة أقضية على رأس كل منها مدير، مستقلّة بعضه عن بعض وتابعة مباشرة لطرابلس، وهكذا سُلخت عن إدارة اللاذقية أقضية صهيون وجبلة والمرق، وأصبحت اللاذقية مركز قضاء على رأسه مدير ويشمل المدينة وساحلها ونواحي البهلولية والباير والبسيط، وصار فيها مجل إداري ومجلس دعاوي ومجلس بلدي، مع العلم أن نصف واردات البلدية كان يدفع إلى بلديّة طرابلس. إما المدينة فقسّمت إلى ستة أحياء هي الشيخ ضاهر والعوينة والقلعة والشحّادين والصليبة، وأصبح كل حيّ يشكّل دائرة عل رأسها لجنة مؤلّفة من مختار وأربعة أعضاء. وفي السنة نفسها تم توسيع أسواق المدينة بهدم مصاطب الدكاكين البارزة عن أبوابها، كما رصفت الأزقّة على حساب الأهالي بالحجارة الخشنة المحدّبة.
أوفدت حكومة الولاية إلى اللاذقية عام 1866 موظفين كلّفوا بإحصاء عدد سكانها ومسقفاتها لترتيب رسم التمتع عل الأهالي. وتبيّن من هذا الإحصاء أن عدد سكان المدينة في تلك السنة بلغ 11200 نسمة، وأنه كان يوجد فيها 1363بيتاً للسكن و828 دكانا مخزناً.
في سنة 1867 أصبح حكّام الأقضية يحملوا اسم قائمقام عوضاً عن اسم مدير. وفي السنة نفسها عقد في بيروت اجتماع ضمّ جميع متصرّفي المقاطعات وعدداً من وجوهها ووجوه الأقضية للنظر في أمور مدن سورية. فاغتنم أهل اللاذقية هذه الفرصة ليتقدّموا إلى الوالي بعريضة يطلبون فيها جعل مدينتهم مركز متصرّفية فلم تنل وقتئذ مساعيهم إلا نتيجة محدودة هي إلحاق قضاء صهيون باللاذقية.
هناك مصدر يفيد أنه خلال عام 1872 دخل إلى المرفأ 111 باخرة و676 مركباً. أمّا البضائع المصدّرة فكانت آنذاك التبغ والقطن والحبوب والأسفنج.

المتحف الوطني في اللاذقية
خان الدخان


أصدرت السلطة العثمانية في نيسان 1874 قراراً بحصر التبغ في اللاذقية، وعلى الأرجح كان مقرّ إدارة الحصر في خان الدخّان الذي مرّ ذكره.
وفي سنة 1875 ظهر وباء الكوليرا في اللاذقية وكان عدد الإصابات كبيراً جداً ممّا دفع البعض إلى الفرار إلى القرى المجاورة.
في عام 1879 عيّن مدحت باشا والياً على سورية وكان يمتاز بالحزم والإقدام ويرغب فعلاً بإجراء إصلاحات في المنطقة التي تحت سلطته. فأراد بعض أهالي اللاذقية أن يثيروا من جديد موضوع رفع المدينة إلى رتبة مركز متصرّفيه، فقدّموا له مذكرة بهذا الخصوص. وفي أوائل شهر حزيران من السنة نفسها وصل إلى اللاذقية نبأ موافقة السلطة العثمانيّة عل هذا الطلب فعمّ السرور أرجاء المدينة، وفي شهر تموز وصل على ظهر باخرة أو متصرّف وهو أحمد الصلح من أهالي صيدا واستقبل استقبالاً حافلاً. وفي شهر آب وصل إلى اللاذقية عن طريق البحر الوالي مدحت باشا وأقام فيها بضعة أيّام بقيت المدينة خلالها مزيّنة بالأعلام، وأقيمت على شرفه الاحتفالات والمآدب وتضمّنت الخطب التي ألقاها إرشادات إلى الأهالي يحثّهم فيها عل التآخي والمحبة بين جميع المواطنين والسهر على مصلحة مدينتهم ونظافتها ونموّها. وفي أثناء إقامته تفقّد عن كثب أوضاع المدينة وأسواقها كما نظّم تقسيمات المتصرّفية الجديدة التي أصبحت تتألّف، علاوة على المركز، من ثلاثة أقضية هي صهيون وجبلة والمرقب.
ألحقت متصرّفية اللاذقية عام 1893 بولاية بيروت، وفي هذه الفترة بلغ عدد سكان المدينة 22000 نسمة، وفي عام 1905 قام متصرّف اللاذقية شكري باشا بأعمال تنظيميّة هامة. لقد ذكرنا أنه عل أثر زلزال 1796 أصبحت المدينة منحصرة في البقعة الشرقية من الرأس وكانت المنازل فيها متراصة. فرأى المتصرف أنه يستحسن مد المنطقة المسكونة غرباً وذلك ببناء البقعة الواقعة بين المدينة والبحر والتي كانت عبارة عن كروم وبساتين، فأمر بتخطيط شوارع في هذه البقعة ليشجع الأهالي على بناء منازل فيها وأخذت فعلاً تبنى تدريجيّاً. كما أمر أن تشيّد في هذا القسم بالذات دار الحكومة التي عرفت باسم «السرايا» والتي بقيت مركز الدولة حتى انتقال الدوائر الرسمية الرئيسة إلى القصر البلدي الحالي في شهر آب من عام 1972.
كان الأتراك لا يزالون في اللاذقية عندما بدأت فرنسا وانكلترا فيما بينهما المفاوضات حول المناطق التي ستُخرِجان منها الأتراك. وبموجب اتفاقية سيكس بيكو المعقودة سرّاً في أيار 1916 أصبح الساحل السوري ضمن المنطقة المخصّصة للفرنسيين. وقد غادر اللاذقية آخر الموظفين الأتراك في 9 تشرين الأول 1918.

اللاذقية الانتداب الفرنسي


على أثر خروج الأتراك من اللاذقية اجتمع بعض وجوه المدينة في لسرايا وألّفوا حكومة مؤقّتة أعلنت أنّها تابعة للحكومة التي يرأسها الأمير فيصل. غير أن فرنسا، بموجب الاتّفاق السرّي الذي أشرنا إليه، كلّفت الضابط دي لاروش باحتلال الساحل السوري، وقد وصل هذا الضابط إلى اللاذقية على ظهر بارجة بتاريخ 5 تشرين الثاني 1918 واستلم منصبه حاكماً للمنطقة.
إن اتفاق سان ريمو المبرم بتاريخ 20 نيسان 1920 منح فرنسا حق الانتداب على سورية ولبنان، وفي 31آب 1920 أصدر المفوّض السامي في بيروت قراراً رسم فيه حدود مقاطعة اللاذقية التي أصبحت تتألّف من أقضية اللاذقية وصهيون وجبلة والمرقب وصافيتا وحصن الأكراد ومصياف ومن ناحية طرطوس، وفي عام 1922 صارت هذه المقاطعة تشكل دولة وفي 1924 أعلن بقرار أنّها مستقلّة تماماً عن سورية، وأصبح يحكمها حاكم فرنسي يعاونه مدراء دوائر معظمهم فرنسيون، وقسّمت هذه الدولة إلى سنجقين، سنجق اللاذقية وسنجق طرطوس.

في مطلع عهد الانتداب كان عدد سكّان اللاذقية ييلغ خمسة وعشرين ألف نسمة. وقد أدخل الهاتف إليها في عام 1921 والتيار الكهربائي في عام 1922. وفي سنة 1923 تم جرّ الماء من نبع قرية ديفة التي تقع على بعد حوالي عشرين كيلو متراً، وفي سنة 1926 وضع مخطّط تنظيمي للمدينة نفّذ قسم منه. أمّأ الأعمال التي تمّت في المرفأ من سنة 1930 لغاية 1932 فلم تعط النتيجة المطلوبة. لقد أمّنت أرصفة وسمحت بتنظيف الحوض ومدخله من الأنقاض المتراكمة منذ زلزال 1822، غير أن عدم بناء مكسر يحمي المرفأ من العواصف جعله غير صالح للاستعمال من قبل السفن الكبيرة لذا انحصر استخدامه على المراكب والبواخر الصغيرة.

بعد معاهدة 1936 أطلق على المقاطعة اسم «محافظة اللاذقية» وتبعت حكومة دمشق لمدّة قصيرة، لأن الفرنسيين نقضوا المعاهدة المذكورة، وفي آذار 1939 عزلت المقاطعة من جديد عن سورية ودخلت تماماً تحت إمرة فرنسا. وفي حزيران 1939، على أثر سلخ لواء الاسكندرون، ألحقت بها قرية كسب وضواحيها.

في 8 حزيران 1941 زحفت على سورية، انطلاقاً من فلسطين، القوّات البريطانية ومعها جيش تابع لما سمّي آنذاك «حركة الفرنسيين الأحرار» التي أسّسها الجنرال ديغول. وكانت هذه الحملة تهدف إخراج الفرنسيين الموالين للحكومة الموجودة في فرنسا المحتلّة من قبل الألمان. وبعد قتال دام ما يقارب الشهر احتلّت القوات البريطانية الأراضي السورية واللبنانية، واعتبرت الفئة الديغولية نفسها بديلاً للفرنسيين الذين رحلوا في ممارسة دور السلطة المنتدبة. غير أن تحرّك الجماهير الوطنية أرغم الديغوليين على إعلان استقلال كل من سورية ولبنان وتقرّر إجراء انتخابات تتيح للشعب أن يختار ممثليه وحكّامه.

اللاذقية زمن الاستقلال


أجريت الانتخابات في سورية بتاريخ 10 تموز 1943 ونتج عنها حكم وطني أعاد إلى البلاد وحدتها فصارت محافظة اللاذقية مرتبطة بالحكومة المركزيّة في دمشق كغيرها من المحافظات. غير أن الاستقلال لم يصبح ناجزاً وفعليّاً إلا عندما تمّ جلاء الجيوش البريطانية والفرنسية في نيسان 1946، وقد غادر اللاذقية آخر فريق من الجنود الأجنبية يوم 6 نيسان 1946.

إن قصّة اللاذقية في عهد الاستقلال تخرج نوعاً ما عن نطاق هذا البحث لأنّها قصة الحاضر والتاريخ لا يهتمّ عادة إلا بالماضي. لذلك نكتفي بتدوين بعض الأمور الرئيسة التي نعتقد أنّها ستشكّل، بالنسبة لمؤرّخي المستقبل، معطيات تساعدهم على معرفة تطوّر المدينة في عصرنا هذا.

يجب أن نذكر التعديلات التي طرأت على تكوين محافظة اللاذقية. لقد فصل عنها بموجب مرسوم تشريعي مؤرخ في 4 آب 1953 كل من قضائي مصياف وتلكلخ. كما فصل عنها بموجب مرسوم تشريعي مؤرّخ في 21 تشرين الأول 1964 المنحدر الشرقي من سلسلة جبال اللاذقية، فأصبحت حدودها الشرقية تمتد على طول قمم هذه السلسلة. وبموجب مرسوم تشريعي مؤرّخ في 22 آب 1966 فصلت عنها مناطق طرطوس وصافيتا وبانياس التي ألّفت ابتداءً من أول كانون الثاني 1967 مقاطعة جديدة تحمل اسم «محافظة طرطوس». فتتألّف اليوم محافظة اللاذقية من أربع مناطق هي اللاذقية وجبلة والحفة والقرداحة وتبلغ مساحتها الإجماليّة 2641 كيلو متراً مربّعاً.

إن المنجزات التي تمّت في عهد الاستقلال عديدة جداً ونشير هنا إلى أهمّها. لاشك أن إنشاء المرفأ الجديد كان من أكثر العوامل تأثيراً على نمو المدينة وازدهارها. إن الأعمال المحدودة التي تمّت في عهد الانتداب لم تسمح للمرفأ أن يقوم بدور اقتصادي يذكر، إذ بقي مقتصراً على الحوض الصغير الذي كان يستعمل في العصور القديمة والقرون الوسطى والعهد العثماني، فبتاريخ 12 شباط 1950 أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 38 المتضمّن أحداث «شركة مرفأ اللاذقية» التي أوكل إليها إنشاء مرفأ حديث واستثماره. وقد بوشر فوراً بالعمل واكتملت الإنشاءات الرئيسة سنة 1956. وفي عام 1972 تقرّر توسيع المرفأ وتطويره وذلك على مرحلتين. بدأت أعمال المرحلة الأولى سنة 1976 وهي لا تزال قائمة. ونتيجة الأعمال التي تمّت حتى الآن أصبح المرفأ مكوّناً من مكسر طوله 3162متراً يحمي حوضاً مائياً تبلغ مساحته 145 هكتاراً.
في نهاية الأربعينات بلغ عدد سكّان اللاذقية حوالي خمسة وأربعين ألف نسمة، ومع بدء العمل في المرفأ أخذ هذا العدد بالتزايد كما أخذ مستوى المعيشة بالارتفاع، وقد تبيّن أن نبع ديفة، الذي ورد ذكره، لم يعد كافياً لاحتياجات المدينة من الماء. لذا جرت محاولات لتأمين الكميّة الإضافيّة الضرورية، الأولى سنة 1953 بجرّ ماء بئرين في قرية دمسرخو والثانية عام 1963 بجرّ ماء آبار ارتوازيّة في موقع الدعتور المجاور للمدينة. غير أن هذه المحاولات لم تعط النتيجة المرجوّة ليس فقط من ناحية الكميّة بل أيضاً من ناحية النوع، فقد ظهرت بعض الملوحة في الماء الوارد من دمسرخو بسبب تسرّب مياه البحر إليه نتيجة الضخّ المستمر. وعلى أثر ذلك اتجهت الأنظار للبحث عن مصدر جديد يؤمّن إرواء اللاذقية للمدى البعيد. فكان مشروع نهر السّن الذي يعدّ من المنجزات الهامة التي تمّت في عهد الاستقلال. ويتضمّن هذا المشروع محطّة لتصفية ماء النهر ومعالجته ومحطّة لضخّ المياه المعالجة ومحطّة لجرّها حتى خزّان اللاذقية على طول حوالي أربعين كيلومتراً. بدأت الأعمال عام 1967 ووصلت مياه نهر السّن إلى اللاذقية لأول مرّة بتاريخ 17 تشرين الثاني 1971.

ومن بين المشاريع الهامة نذكر أيضاً الخط الحديدي الذي يبلغ طوله 750 كيلو متراً والذي يربط اللاذقية بـحلب وسد الفرات ودير الزور والحسكة، وقد استعمل لأول مرّة بتاريخ 16 تشرين الثاني 1975.

إذا كان المرفأ الجديد يعتبر أهمّ مشروع من الناحية الاقتصادية بالنسبة للاذقية فجامعة تشرين التي أوجدها الرئيس الراحل حافظ الأسد هي دون شك أهمّ مشروع من الناحية الثقافية عرفته المدينة خلال تاريخها. لقد تضمّن المرسوم التشريعي رقم 12 المؤرّخ في 12 أيار 1971 إحداث جامعة في اللاذقية أطلق عليها فيما بعد اسم جامعة تشرين. وقد بدأ نشاطها العلمي فور إصدار هذا المرسوم وذلك في مبان مؤقّتة خصّصت لها ضمن المدينة، وبقيت على هذه الحال حتى عام 1982 وهو تاريخ انتهاء القسم الأكبر من المباني التي شيّدت من أجلها، وكان عام 1982-1983 أول عام دراسي فيها. تحتل الجامعة مساحة قدرها مئة هكتار وتتألّف من مجموعة من الكلّيات والمعاهد ومن مكتبة مركزية ومدرج كبير ومنشآت رياضيّة ومشفى جامعي ومدرسة للتمريض ومركز للبحوث وحقول تجريبيّة ومبان سكنيّة للأساتذة والطلاب. وهناك أبنية سكنيّة للطلاب شمالي حرم الجامعة ومشفى حديث دعي «مشفى الأسد» تابع للجامعة يقع في وسط المدينة.

إن الترتيبات التنظيميّة التي قرّرتها بلديّة اللاذقية والأعمال التي حقّقتها في هذا المجال هي التي أحدثت أكثر التغيرات في شكل المدينة العام كما أدّت إلى امتداد كبير في مساحتها. لقد تقرّر أول مخطط تنظيمي سنة 1950 وبدئ في تنفيذه سنة 1952، وتمّ تطويره في عام 1964، ثم تبعته دراسات وتعديلات مختلفة، ومن جهة أخرى أصدرت البلديّة في كل من الأعوام 1961، 1963 و1967 قرارات تتعلّق بامتداد المدينة ووضع حدود إداريّة جديدة لها.

بموجب كل هذه الترتيبات قسّمت المدينة إلى مناطق عمرانيّة، وفي القسم القديم منها عرّضت بعض الشوارع وشقّت شوارع جديدة، وتمّ تنظيم المناطق المبنيّة مجدداً. أما الحدود الإدارية التي وضعت فقد جعلت المدينة مكوّنة من البقعة الممتدة على طول الشاطئ من رأس اللاذقيّة حتى رأس ابن هاني ويحدّها شرقاً النهر الكبير وينتهي عند الطرف الشرقي من المدينة السياحيّة التي أنشأتها البلديّة في رأس ابن هاني.
إن اللاذقية تتراءى لنا، في عام 1948، كمدينة يقدّر عدد سكّانها بأكثر من مئتي ألف نسمة وتبلغ مساحتها الإجماليّة ضمن إطار حدودها الإداريّة الجديدة حوالي 2300 هكتاراً، مع العلم أن أكثر من نصف هذه المساحة بقليل غير مبني حالياً وهو يشكّل المناطق المهيّأة للتوسّع. أما المنطقة المأهولة فتتألّف اليوم من الرأس الذي شيّدت عليه المدينة قديما ً وقد امتدّ البناء في السنين الأخيرة حتى طرفه الجنوبي وتتضمّن أيضاً المناطق السكنيّة الجديدة التي تمتد شرقي هذا الرأس وشماله وكذلك حي العائدين والمنطقة الصناعيّة وجامعة تشرين، كما ضمّت إليها كل من قرى دمسرخو وقنينص وبساتين.

هذه هي قصّة اللاذقية عبر العصور. لقد خرجت إلى الوجود مع ولادة قرية صغيرة فوق تلّ كان ينتصب على طرف رأس يحيط به البحر من جهاته الثلاث. ثم تحوّلت إلى مدينة تحتلّ كامل هذا الرأس، تشقى أحياناً وتسعد أخرى مع توالي السنين والأحداث، إلا أنه رغم الغزوات والزلازل التي تعرّضت لها والتي كانت تلحق بها الدمار، فقد بقيت صامدة تتغلّب على الكوارث وتستعيد نشاطها بعد كلّ محنة، وإذا كانت في القرون الأخيرة قد غدت قرية كبيرة تقبع بعيدة نسبياً عن الشاطئ بجوار الهضبتين اللتين تشكّلان في الجانب الشرقي سوراً طبيعياً لها، نجدها في عصرنا تشهد تطوّراً مفاجئاً وغريباً. فلأول مرّة في تاريخها الطويل تتجاوز الرأس الذي كان مصيرها مرتبطاً به حتى الآن وتمتد شرقاً وشمالاً لتبلغ مساحتها أضعاف المدينة التي أسّسها سلوقس نيكاتور، وهي تواصل تقدّمها بخطى واسعة في طريقها نحو المستقبل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shampro.123.st
 
تطور محافظة اللاذقية على مر العصور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شــام بـــرو :: الفئة الأولى :: سوريا بلدنا :: سوريا جنة على الأرض-
انتقل الى: